محمد أبو زهرة

1429

زهرة التفاسير

بها ، وكل هذه مشاق يحتاج احتمالها إلى جهد في دائرة الطاقة ، و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . . . ( 286 ) [ البقرة ] . ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن المؤمن الصادق الإيمان يعرف طريق الجنة ، وأن الموت في سبيلها هو شكر لنعمة اللّه تعالى فيما أنعم في الحياة الدنيا ، وفيما ينعم في الجنات في الحياة الآخرة ، وإن الذين قاتلوا في غزوة أحد الذين سيقت لهم هذه العبر يعلمون ذلك ويعرفونه ويؤمنون به ، وينفذونه ، ولذا قال سبحانه وتعالى : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ . كان المؤمنون يتمنون الموت حقا وصدقا ، وصدق اللّه العظيم ، ذلك أنهم كانوا يتشرقون للشهادة ويريدونها ويطلبون أسبابها ، وفي غزوة أحد بالذات ما كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم رأى في الخروج من المدينة ، ولكن شباب المجاهدين أرادوا اللقاء خارجها ، فنزل عليه الصلاة والسلام على حكم الشورى وقادهم ، وما كانوا يريدون عرضا من أعراض الدنيا ، ولا غاية لهم إلا أن ينالوا إحدى الحسنيين الظفر أو الشهادة ، وفي كلتيهما إعلاء كلمة الحق ، وخفض كلمة الباطل . ومعنى تمنى الموت : تمنى لقاء سببه وهو الحرب ، وكأن اللّه سبحانه وتعالى ينبههم إلى أنهم بتمنيهم لقاء الأعداء في الميدان يجب أن يفرضوا أن الموت ينالهم كما أن الحياة العليا قد ينالونها ، فكان عليهم أن يتوقعوا الموت عند تمنى اللقاء ، وأن يعلموا أن تمنيهم للقاء هو في ذاته تمن للموت ، وأن تمنى الموت هو سبيل النصر وطريق الظفر ، فإن الشجاع هو الذي يدخل الميدان طالبا الشهادة ، فإنه لا يموت إلا إذا قتل عددا ، ولقد وصف فارس الإسلام علي رضى اللّه عنه بأنه كان إذا تقدم إلى الميدان لا يدرى أيقع على الموت أم يقع الموت عليه ، فكان يقع رضى اللّه عنه على الموت يصيب به أعداء اللّه وأعداءه . ولقد أورد الزمخشري في الكشاف اعتراضا خلاصته : كيف يتمنى المؤمنون الموت ، وفي الموت غلبة ونصرة للأعداء فكأنهم يتمنون ذلك النصر لأعدائهم ، وقد أجاب عن ذلك بأنهم يتمنون فضل الشهادة من غير نظر إلى ما يجره ذلك